مقتطفات .. من سطور الشاعر الكبير
( محمود درويش )
الصفحات متجددهـ .. كونوا
بالقرب
![]()
على شاطئ البحر بنتٌ. وللبنت
أَهلٌ
وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وبابْ...
وفي البحر بارجةٌ تتسلَّى
بصيدِ المُشاة على شاطئ البحر:
أربعةٌ، خمسةٌ، سبعةٌ
يسقطون على الرمل، والبنتُ تنجو قليلاً
لأن يداً من ضباب
يداً ما إلهيةً أسعفتها، فنادت: أَبي
يا أَبي! قُم لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!
لم يُجِبْها أبوها المُسجَّى على ظلهِ
في مهب الغياب
محمود درويش
٭
لا أَحنُّ الى أيِّ شيءٍ
فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي
ولا حاضري يتقدمُ أو يتراجعُ
لا شيء يحدث لي!
ليتني حجرٌ – قلتُ – يا ليتني
حجرٌ ما ليصقُلَني الماءُ
أخضرُّ، أصفرُّ... أُوضَعُ في حُجْرةٍ
مثل منحوتةٍ، أو تمارينَ في النحت...
أو مادةً لانبثاق الضروريِّ
من عبث اللاضروريِّ...
يا ليتني حجرٌ
كي أَحنَّ الى أيِّ شيء!
محمود درويش
٭
مجازاً أقول: انتصرتُ
مجازاً أقول: خسرتُ...
ويمتدُّ وادٍ سحيقٌ أمامي
وأَمتدُّ في ما تبقى من السنديانْ...
وثمَّة زيتونتان
تَلُمّانني من جهاتٍ ثلاثٍ
ويحملني طائرانْ
الى الجهة الخاليةْ
من الأوج والهاويةْ
لئلاَّ أقول: انتصرتُ
لئلاَّ أقول: خسرتُ الرهانْ!
محمود درويش
٭
يرنو الى أَعلى
فيبصر نجمةً
ترنو إليهْ!
يرنو الى الوادي
فيبصر قبرَهُ
يرنو إليهْ
يرنو الى امرأةٍ،
تعذِّبُهُ وتعجبُهُ
ولا ترنو اليه
يرنو الى مرآتِهِ
فيرى غريباً مثله
يرنو إليهْ!
محمود درويش
٭
بعيداً، وراء خطاه
ذئابٌ تعضُّ شعاع القمرْ
بعيداً، أمام خطاه
نجوم تضيء أَعالي الشجرْ
وفي القرب منه
دمٌ نازفٌ من عروق الحجرْ
لذلك، يمشي ويمشي ويمشي
الى أن يذوب تماماً
ويشربه الظلّ عند نهاية هذا السفرْ
وما أنا إلاّ هُوَ
وما هو إلاّ أنا
في اختلاف الصّوَرْ!
محمود درويش
٭
كما لو كنتَ غيرك سادراً،
لم تنتظر أحداً
مشيتَ على الرصيف
مشيتُ خلفك حائراً
لو كنتَ أنت أنا لقلتُ لكَ:
انتظرني عند قارعة الغروب
ولم تقل: لو كنتَ أنتَ أنا
لما احتاج الغريب الى الغريب.
ألشمس تضحك للتلال. ونحن نضحك
للنساء العابرات. ولم تقل إحدى النساء:
هناك شخص ما يُكَلِّم نفسه...
لم تنتظر أحداً
مشيتَ على رصيفك سادراً
ومشيتُ خلفك حائراً.
والشمسُ غابت خلفنا...
ودَنوْتَ مني خطوةً أو خطوتين
فلم تجدني واقفاً أو ماشياً
ودَنوتُ منك فلم أجدك...
أكنتُ وحدي دون أن أدري
بأني كنت وحدي؟ لم تقل
إحدى النساء: هناك شخصٌ ما
يطارد نفسَهُ!
محمود درويش